الجمعة، 17 فبراير 2012

هكذا تنتصرين

قالت لي : أذا ,فالتكتب عني ..لم  اعرف حينها ما الذي سوف اكتبه .. لم اكن معتادا علي فكره الكتابه النقديه او التحليليه و بالاخص عن الاشخاص .. يمكنني التعامل مع الماده او طبيعه الخلق او حتي الفكره ,ولكن البشر فلا .. فهو ليس من حقي ,وليس من حق اي مخلوق ان يصدر احكاما علي شخص اخر ولو كان يتمتع بالفضيله الكامله .. نحن متساوون ,متشابهون ,مذنبوون ..كلنا اوغاد ولن يرحمنا من العذاب سوي رحمة ربي بنا .. ولكني كنت اري بها شيئا مختلفا .. لا أعلم لماذا ..ولكن حزينه كانت هي ,متشبعه بالصمت المظلم الذي لن يمكنك الرؤيه فيه مهما بدت بصيرتك .. انت تعلم ان هناك قصه ,بل الف قصه .. كياستك تمنعك عن الخوض في سيل من الاسئله الملحه التي لها الف رأس تتلوي امامك تنهش كل جزء في بالك ..ولكنك تفضل الصمت وجمح الفضول .. تبا ,كم هذا مرهقا .. ولكنك تبدأ في صنع لوحتك الخاصه ,الافتراضيه .. حتي تستقر نفسك ,علي الاقل , مع من تتعامل معه .. تعرف انها صلبه من الداخل وليس كما توحي نظرتك اليها الاولي بأنها هشه سهلة الكسر .. انها فقط تحتاج الثقه ,اعطها بعضا منه ولسوف تري .. ولكنها مازالت تائهه ,الاضواء و الالوان تبهرها ,وطبيعتها الطفوليه المرحه تتراقص مع الوانها وحركاتها .. قليله الخبره هي ..لم تستقي من معرفه الحياه سوي بضع نقاط ..لم ترشف رشفه كامله حتي .. شئ ما يكبح جماحها .. لا أعلمه .. ولكن اعلم انه ناجح في مهمته .. ولكني اراها تنتصر قريبا .. انها الان تتحس طريقها متلصصه و متوجسه .. تخاف ان تؤلم او ان تصتدم .. تخاف ان تبكي وان تندم .. وتريد ان تبحر في الحياه ايضا ..لا اعرف كيف يحدث هذا !!.. فالتعلمين يا عزيزتي ان من اراد الحياه فعليه ان يتألم دون ان يأن .. يبكي دون ان ينتحب .. سيخسر كثير ,ولكنه سوف يحصد الغنائم .. سوف يكون سيد عالمه ..هو فقط ولا احدا سواه ..سيحيا الف حياه..ولن يبكي و يندم سوي المتوجسين المتلصصين .. فالتخطي ولا تترددي .. وأعلمي انك قد أرسلتي لسبب .. لن تموتي .. ولن تحيي ألا به ..وجهي قبضتك الي العالم و انثري من حولك الطفيليات و الحشرات اللاعقه للفضلات ,وانظري اليهم في أعينهم ,اجعلي نظرك يخترقم ليخفضوا لكي رؤوسهم ,فأنتي سيدة عالمك ..فالتعلمي انك اسؤ ما خلقه الله في أرضه .. وأن وحشك قادر علي التهام الناس اجمعين .. اعرفي حجم الشر الذي بداخلك .. ودعيهم يعرفون ..انهم يتهامسون ,وفي الغالب يتضاحكون .. فالتصفقي للعالم وتدعيهم يموتوا بغيظهم .. تلتفتي عنهم وانتي تعرفين .. انك انقي من خلقه الله في أرضه .. هكذا تنتصرين

مشهد سيريالي حدث بالفعل

الاستيقاظ اصبح مصطلح ليس له معني .. فالاستيقاظ يأتي دائما بعد فتره من النوم ..لذلك لم يصبح لهذا المصطلح معني تلك الايام .. لا اتذكر اخر مره نمت بها ..ولكنك تعتاد علي هذا في اغلب الاحيان وبالاخص في مثل هذه الظروف ..صدقني سيصبح النوم في اخر قائمه اهتماماتك ..وما اهميه النوم ونحن في الاصل نائمين ..متي سوف نستيقظ؟..هذا هو السؤال الذي سوف تجده في قائمه اهتماماتك .. متي سوف انتهي من تلك الفلسفه التي لا طائل منها ؟
..
عندما اقف امام نافذة حجرتي في مثل ذلك الوقت من كل يوم ,وقرص الشمس قد شارف علي الظهور ..ذلك المشهد الابدي ..حينها ,ادرك انه قد حان موعدي لأتسيد عالمي ..بالطبع اعلم ان هذا العالم ليس به سواي ,ولكنه يكفي ويتسع الي ابعد الحدود .. تصطبغ بشرتي بالون الاحمر القرمذي للشمس المودعه بعد ان اختلط ضوئها بلون السماء البنفسجي .. عجيب هذا العالم الذي فعل به الانسان كل المحاولات لأفساده ويفشل في النهايه ان يقبح من صورته
..
تحين مني التفاته لأري ذلك الحائط المواجهه لحائط الشباك وقد سقط عليه الضوء الزائر , ذلك الحائط الذي كنت قد جعلت منه ارشيفا من صور وكتابات خاصه بالفتره الاخيره والاحداث المتعلقه بها  .. وقفت امام الحائط للحظه وكأني استمد منه طاقتي الحيويه ,كانت تلك اللحظه كافيه لأسترجع كثير مما قد فقدته ..وافتقده
..
كل ما تمثله رغبتي في البقاء يكمن في تلك الحجره التي الي جواري .. اقف علي باب الحجره لأختلس النظره من تلك الفتحه التي طالما ما تتركها لي وكأنها تسمح لي بتلك الأختلاسات .. ابنتي ذات الخمسه اعوام .. هذا هو العالم الذي اعيش من اجله .. هي كل ما يربطني بل الماضي وهي من تقودني الي المستقبل ,بلرغم من ضبابيته ..ولكن معها انا اري جيدا واعرف ما الذي افعله ..ولن اتردد .. نائمه هي كانت ,ولكن هذه الطله كانت تكفي

وقفت امام التلاجه ,انظر اليها بشهيه مفقوده ,ولا اعلم لماذا كانت الح علي نفسي بسؤالي لماذا استيقظت مبكرا هذا اليوم وانا واقف امام الثلاجه ,وكأنني لا انظر اليها

انتفضت عندما سمعت صوت مدوي مصدره الشارع ,لقد كان صرير فرمله سياره صاحبه صوت خبط حديد في حديد اخر ..ذهبت مسرعا لحجرتي لاري الحدث من النافذه ,وعندما وصلت ,وجدتها قد سبقتني ,وقفت علي كرسيها الصغير ليمكنها من الوصول الي حافه النافذه ,وما ان شعرت بوجودي حتي التفتت لي وقالت
الحق يا بابا ..حادثه جامده قوي-

ابتسمت لها ,فأنا لا اعرف متي استطاعت ان تستيقظ وتحضر الكرسي بهذه السرعه ..ونظرت من النافذه لأري سبب هذه الضوضاء,رأيت سياره ربع نقل "السوزوكي" الصغير وقد انقلبت علي جانبها بوسط الطريق .. ما هذا؟ .. انها سياره جرجس ..تعرفت عليها عندما رأيت القمامه وقد وقعت من علي السياره لتملئ الشارع, السياره التي اصطدمت بها كانت  بيجو موديل 406 سماويه اللون .. او هذا ما تبقي منها بعد ان دمر الجزء الامامي تماما
كان هذا هو المشهد .. لم يكن احد في الشارع .. كان الوقت مبكرا جدا علي مثل هذه النوعيه من الحوادث ..ولكن كان هناك مشهد اكثر غرابه .. تحت منزلنا يوجد جامع خاص بجماعه الدعوه السلفيه ,قد كان مغلق فيما مضي .. ولكنه الان مفتوح ويأتيه مصليه وشيوخه من اكثر من مكان بعيد , وكانوا قد خرجوا من المسجد علي اثر سماعهم للحادث, كانوا تسعه عشر, وكانوا يقفون كالحائط بجوار بعضهم بردائهم الابيض , معقدين ازرعهم علي صدورهم, يراقبون الحدث بحاجبين مقطبين

خفق قلبي بشده ,وبالاخص بعد ان رايت ذلك الصليب المعلق بمرأه السياره البيجو..ودعوت من الله ان يمر هذا الحدث علي خير ..فلقد اكتفيت -انا وابنتي- من تلك الاحداث وما اصبحنا نعيش فيه من رعب

كان سائق السياره البيجو رجل علي ما اظن في الخمسين من عمره اسمر البشره,صعيدي الملامح ,وكانت تجلس جواره سيده اظن انها تقل عنه بعشر سنوات .. اخذ الرجل وقتا طويلا ليستوعب الحدث قبل ان يفتح بابه ويخرج من السياره .. وهنا علمت ان الكارثه وشيكه الحدوث ..بمجرد ان نزل الرجل حتي وجدته يتطوح وكأنه لا يستطيع ان يقف متوازنا .. في البدايه كنت اظنها من اثر الصدمه .. ولكني سرعان ما تيقنت انها من اثر الشرب .. بالفعل الرجل لا يسطيع ان يقف ,اخذ يتارجح مره او اثنين قبل ان يستند بزراعيه علي سقف سيارته ليحافظ علي توازنه ويوهم الجميع بثباته ..كنت مستغرق في الدعاء حتي لا تحدث الكارثه تحت منزلي وعلي مشهد من ابنتي ..وفي اثناء هذا الصمت ..دخلت سياره اخري ولكن علي الجانب الاخر المعاكس لتقطع هذا الصمت بصوت الكاسيت العالي , وعندما رأي سائقها المشهد توقف بسياره واغلق صوت الكاسيت .. ونزل منها شاب في منتصف العشرينات شعره طويل ,والغريب انه كان يحمل كلب ابيض صغير الحجم لا ينفك ان يداعبه بيده الاخري طوال الوقت , نزل ليشاهد الموقف دون تدخل ,وكأن الموقف كان يحتمل امثاله .. لا اعلم لماذا كل الظروف تساعد لحدوث كارثه هذا الصباح .. ومازال التسعه عشر سلفي يراقبون الوضع ولكن بحاجبين اكثر تقطيبا .. لحظات اخري من السكون تسود الموقف ,ورأيت علي الجانب الاخر من المنازل بعض سكان البيوت وقد اطلوا برؤوسهم مثلي ليراقبوا الموقف ,وازعم اني سمعت احدي السيدات وهي تدعي بان الله ياتي بالعواقب سليمه
مرة اخري , يدخل الشارع موتوسيكل صيني ماركه حلاوه ,اسمه هكذا بالفعل, ليقطع السكون .. وكان يركبه شابين ,وجههما لم استريح لدي رؤيتي لهما ,هم الاخرون قد توقفوا ليشاهدوا المشهد ,اوقف السائق الموتوسيكل وترجل الاثنين , ولكنهما كانوا اكثر تفاعلا من غيرهما ,فأحدهما ذهب ليتفقد السياره المقلوبه ,بينما الاخر ذهب ليتفقد السيده الجالسه بالسياره !! ..لا اعلم لماذا او ماذا كان يفعل ,ولكنه كان واقف بجانب نافذه السياره ..نظرت الي الرجل لأري رد فعله ,ولكني وجدته مازال علي وضعيته السابقه .. يحاول ان يتمالك نفسه مقتنعا تماما انه بمجرد نزع زراعيه من علي السياره سوف يسقط ..وهنا سمعنا صوت السيده وهي تتشاجر مع الولد فجأه وبدون اي مقدمات ولكنها كانت تصيح بوجهه
ابعد عني ..ايه القرف ده-
وكأن كان هذا هو اشاره البدء للشاب يهمر تلك السيده بسيل من الشتائم والسباب..وترد هي الاخري عليه ..فيقوم هو بفعل ألمني كثيرا لدي رؤيته ,فقد قام بأخراجها من السياره ولكنها كانت تقاووم فاصبحت علي الارض بين السياره و فتحة الباب ,وعندما اشتدت المعركه بينهما اخذ هو في قفل الباب عليها لتصدم بالسياره عدة مرات ..كل هذا ولو يتدخل احد .. لا اعلم كيف اصبح من المتاح الان ان تضرب سيده علي يد شاب مثل هذا في الشارع دون ان يتدخل احد ..لم تستطع السيده ان تستحمل اكثر فسقطت علي الارض محاوله ان تصعد ثانيه لكرسيها .. افلتها الشاب وتوجه الي الرجل وهو في ذروه هياجه .. ليمسكه بين يديه ويرجه بشده وهو يصيح ..
- سكران يا ابن .. انا هاعرف ازاي افوقك .. مش حرام عليك تسكر يا ابن .. وحيات امك لا انا مفوقك
رفع يده وسقط بها علي صدغ الرجل مصاحبه صوت مدوي وقع علي اثرها الرجل علي الارض ليجلس في مكانه
وهنا اعلن الشاب صاحب الكلب الابيض انه لن يصمت اكثر من ذلك ,وقد فاجاني هذا كثير,ان يكون اول من يخرج عن صمته هو هذا الشخص ..فوجدته يتوجه ناحيه الشاب وهو يصيح
- ايه ده ؟ .. حرام عليك .. ايه اللي انت بتعمله له .. انت مجنون تضرب واحده ست
كان الاداء محبطا انا اعلم , فقد وقف الشاب ينظر له بضع لحظات قبل ان يرفع يده ويسقط بها علي صدغه هو الاخر ..ولكنه كان اكثر تماسكا من الرجل و فلم يسقط ,ظل واقف في مكانه ولم يستوعب الحدث بعد .. ولكن الكلب الذي في يده قد استوعب اسرع ,فقد قفز من يده واخذ بالجري مسرعه بعيدا , هنا افاق الشاب من صدمته ونظر الي كلبه الذي تركه وحيدا قبل ان يجري وراءه محاولا اللحاق به ..
لحظه سكون اخري اعقبت ذلك الموقف الاخر ,وللمره الثالثه يقطع السكون صيحه جرجس الذي قد كان في احد العمارات ولو يستطع ان يتمالك نفسه بعد رؤيته لسيارته ..
- ينهار اسود ومنيل بستين نيله .. مين اللي عمل كده
حانت منه التفاته الي مجموعه الشيوخ اللذين يقفون علي مقربه منه .. وكان مندهشا ,غاضبا و متوجسا ايضا .. اسرع اليه الشاب الذي يجيد الضرب بالاقلام ليبلغه ان صاحب السياره البيجو هو من فعل ذلك وانه كان سكران  .. يراي جرجس هو الاخر الصليب المعلق بالسياره التي صدمته ..فيقف للحظه بعد ان كان متحفذا في اتجاه الرجل صاحب السياره البيجو ,ينظر للحظه تجاه مجموعه الشيوخ التي مازالت علي وقفتها التي لم تتغير .. عدل جرجس من اتجاهه ليري الخسائر التي الحقت بسيارته ..في هذه اللحظات دخل الشارع سياره دوريه شرطه .. توقف بمجرد رؤيتها للحدث هي الاخري ..كان يركبها ظابط ويقودها امين شرطه .. بحثت بعيني لاري الشابين فوجدتهما يركبان الموتوسيكل وياخذون اول منعطف في طريقهم .. ذهب الظابط ليتفقد الموقف فهرع اليه جرجس ليحكي له ما الم به من كارثه وكان الظابط يفعل شيئا غريبا , كان كل ما جرجس يقوله له تفصيله يقوم الظابط بابلاغها عن طريق جهاز اللاسيلكي لشخص اخر وكأنه يحكي له هو الاخر ما الذي حدث .. بمجرد انت انتهي جرجس من سرد قصته ذهب الظابط في اتجاه الرجل صاحب اسياره البيجو .. فاعطاي الرجل للظابط كارنيها اخرجه من السياره .. وقف الظابط ينظر الي الكارنيه بضع لحظات قبل ان ينظر الي الرجل مره اخري وبلغه بان كل شئ سوف يكون علي مايرام وان لا يقلق
هنا شعر جرجس بان هناك شئ غير نظيف يحدث فصاح للظابط وكأنه يريد ان يسمع الناس من حوله
- ايه يا باشا .. احنا لسه فينا من الكلام ده ولا ايه .. احنا مش كنا خلاص بطلنا الموضوع ده ولا ايه
كلام جرجس جعل الظابط ينفعل جدا و يصيح بأعلي صوته لدرجه اني رايت عروقه تنفر وهو يصيح
- لااااااااااااااااااااااا .. احنا بعد 25 يناير كل واحد في مصر هياخد حقه
واعقبها لحظه صمت رهيبه وكأن الكون توقف عن الحراك
اخرج الرجل محفظته من جيبه واعطاها للظابط قبل ان يتوجه لسياره الشرطه ويركبها هو والسيده و يبلغ امين الشرطه ان يذهب به الي القسم
استمر الكل في السكونه و سياره الشرطه تتحرك من جوارهم وتلف من عند المنحني لتاخذ الطريق المعاكس وتاخذ طريقها في الشارع الطويل الذي قد كانت الشمس تشرق في نهايته

لم اكن اتوقع نهايه الموقف هكذا , ولم افهم نهايته .. ولكني نظرت الي ابنتي فوجدتها تشاهد الموقف وهي مستائه جدا ..فابتسمت وسألتها
- انتي ايه اللي مخليكي متضايقه اوي كده
فنظرت لي وهي غاضبه جدا وقد غمرت اشعه الشمس وجهها وقالت
- كده الزباله هاتتكوم عندنا ومحدش هايتدبس غيرنا

                                                                                     -انتهت-


اسلام حسن
7- 6- 2011